الشيخ محمد النهاوندي

50

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

قيل : إنّما وصف المنهيات بمطلق الكراهة مع كون جميعها أو جلّها من أكبر الكبائر ، إيذانا بكفاية مجرّد كراهة اللّه تعالى لشيء في وجوب الالتزام بتركه « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 39 ] ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ( 39 ) ثمّ حثّ سبحانه في العمل بالتكاليف المفصّلة بقوله : ذلِكَ المذكور من التكاليف مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وما يستقلّ بحسنه وصلاحة العقل السليم ، أو من الأحكام المحكمة التي لا تقبل النّسخ ، أو من الأحكام التي كانت في ألواح موسى ، كما عن بن عباس « 2 » . ولمّا كانت دليلا على الوحدانية ، ختم سبحانه الأحكام بما بدأها بقوله : وَلا تَجْعَلْ أيّها الانسان مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ تنبيها على أنّ التوحيد أول المقاصد وآخرها ، وأنّ عمدة الغرض منها تكميله . ثمّ أنّه تعالى بعد التهديد أولا على الشّرك بالعذاب الدنيوي ، هدّد عليه آخرا بالعذاب الأخروي بقوله : فَتُلْقى في الآخرة فِي جَهَنَّمَ حال كونك مَلُوماً عند نفسك وغيرك على ما كنت عليه من الشّرك مَدْحُوراً ومطرودا من رحمة اللّه . عن القمي : المخاطبة للنبي صلّى اللّه عليه وآله ، والمعنى للناس « 3 » . عن الباقر عليه السّلام - في حديث - « ثم بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وهو بمكة عشر سنين ، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه إلا أدخله اللّه الجنة بإقراره ، وهو إيمان التصديق ، ولم يعذّب اللّه أحدا ممن مات وهو متّبع لمحمّد صلّى اللّه عليه وآله على ذلك إلّا من أشرك بالرحمن ، وتصديق ذلك أنّ اللّه عز وجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل آية « 4 » وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إلى قوله : إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً « 5 » أدب وعظة وتعلّم ونهي خفيف ، ولم يعد عليه ، ولم يتواعد على اجتراح شيء ممّا نهى عنه ، وأنزل نهيا عن أشياء حذّر عليها ولم يغلظ فيها ، ولم يتواعد عليها ، وقال : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وتلا الآيات إلى قوله : مَلُوماً مَدْحُوراً « 6 » .

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 5 : 172 ، تفسير روح البيان 5 : 159 . ( 2 ) . تفسير الرازي 20 : 214 ، تفسير أبي السعود 5 : 173 ، تفسير الصافي 3 : 193 . ( 3 ) . تفسير القمي 2 : 20 ، تفسير الصافي 3 : 193 . ( 4 ) . في الكافي وتفسير الصافي : بمكة . ( 5 ) . الإسراء : 17 / 23 - 30 . ( 6 ) . الكافي 2 : 25 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 194 ، والآيات من سورة الإسراء : 17 / 31 - 39 .